تتفاعل أحداث النظام العالمي فيما بينها في ظل التأثيرات المتبادلة، إذ أي حدث يحصل لا يبقى محصورًا ضمن منطقة جغرافيّة محددة وإنّما تمتدُّ تبعاته لإعادة تشكيل موازين القوى وتوجهات سياسات الدول واستراتيجياتها الدوليّة. ففي هذا السياق شكّلت هجمات 11 أيلول 2001 حقبة جديدة في العلاقات الدوليّة، حيثُ فرضت تحوّلات جوهريّة في إعادة مُقاربة المخاطر العالميّة. إذ عقب هذه الهجمات أعلنت الولايات المتحدة الأمريكيّة حربها على الإرهاب، فاستطاعت من خلالها التأثير في الدول التي تريدها إنطلاقًا من تذرعها في ذلك. وبالتالي أصبحت هذه القضيّة من أهم القضايا العالميّة التي استقطبت السياسة الأمريكيّة من خلالها اهتمام مختلف الحكومات والمؤسسات الدوليّة، إذ تمكّنت من جعل قضيّة الإرهاب قضيّة مُشتركة فيما بينهم. فعمدوا إلى اعتبارها من أهم المخاطر التي تُهدد السلم والأمن الدوليين. انطلاقًا من ذلك، ما هو تعريف الحرب على الإرهاب؟ وكيف طبقت الولايات المتحدة الأمريكيّة حملتها عالميًّا؟
إذ أردنا تعريف مصطلح الحرب على الإرهاب؛ لا بدَّ أوّلًا عرض تعريف كل من "الحرب" و "الإرهاب" مُعجميًّا. فتُعرّف "الحرب" بالاستناد إلى قاموس بنغوين للعلاقات الدوليّة على أنّها: "عنف جسدي مباشر بين الفاعلين من الدول. وتندلع الحروب حين تجد الدول التي تكون في وضع من الصراع الاجتماعي والتعارض أن السعي لتحقيق أهداف متعارضة أو محصورة بها لا يمكن حصرها في أنماط خالية من العنف". كما يُعرّف المعجم نفسه "الإرهاب" بأنّه: استعمال أو التهديد باستعمال العنف بشكل منهجي بغية تحقيق أهداف سياسية. وفي حين أنه لا يوجد تعريف شامل متفق عليه لطابع الإرهاب أو دافعه أو طريقة تنفيذه (مثلًا، يدرج شمید (Schmid)، ۱۹۸٤، ما ينيّف على مائة تعريف مختلف لهذا المصطلح)، فإنّ معظم المحللين يتفقون على أن عنصر إثارة الخوف أفقيًّا ورأسيًّا هو عنصر أساسي. وعلاوة على ذلك فإن القسوة وعدم اعتبار القيم الإنسانية المتوطدة والتعطش الذي لا يرتوي إلى الأضواء هي سمات مميزة للإرهاب". إلّا أنّ للتمكّن من الفهم الدقيق لمفهوم الحرب على الإرهاب لا بدَّ من عرض تعريفه تبعًا لمختلف الباحثين.
يشير نيكولاس د. تورنت- Nicholas de Torrente: "في تعريفه للحرب على الإرهاب، رسم الرئيس بوش الخط الفاصل بوضوح: 'إما أن تكونوا معنا، أو أن تكونوا مع الإرهابيين' وأعلن: 'هذه معركة الحضارة، معركة كل من يؤمن بالتقدم والتعددية والتسامح والحرية'". وبالتالي يقصد نيكولاس من استخدامه لتعريف بوش أنّ الحرب بين طرفين؛ بين المؤيدين للولايات المتحدة من جهة، وبين المعارضين لها فتُصنفهم في خانة الإرهابيين.
بالإضافة إلى ذلك تقول في هذا الصدد جوليا غلدهيل- Julia Gledhill: "لم يكن قرار التعامل مع هجمات 11 سبتمبر لاحقًا على أنها عمل حربي، وليس جريمة، 'ضروريًا أو حتميًا' ومع ذلك، كان هذا الخيار بمثابة فرضية لنموذج حرب عالمي جديد. وبموجب هذا النموذج، تولت حكومة الولايات المتحدة سلطة واسعة لاحتجاز واستجواب وتعذيب ومراقبة وتسليح وقتل الناس في جميع أنحاء العالم باسم القضاء على التهديد الذي يشكله الإرهاب العابر للحدود الوطنية كما أعلن الرئيس بوش، فإن ما يسمى بالحرب على الإرهاب 'تبدأ بتنظيم القاعدة، لكنها لا تنتهي عند هذا الحد. ولن تنتهي حتى يتم العثور على كل جماعة إرهابية ذات امتداد عالمي وإيقافها وهزيمتها'". من خلال ما أشارت إليها غلدهيل يتضح أنّ الحرب على الإرهاب انطلقت أوّلًا من الحرب على تنظيم القاعدة، ومن ثم توسّعت لتشمل جماعات أخرى صنّفتها الولايات المتحدة ضمن إطار الإرهاب.
وفي هذا السياق تُشير إيناس عبد الله أبو حميرة: "الحرب على الإرهاب مصطلح دخل قاموس القانون الدولي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد أفغانستان بدعوى أنها معقل للجماعات الإرهابية 'طالبان'". فيتضح من خلال ذلك أنّه ارتبط مصطلح الإرهاب بأحداث 11 سبتمبر 2001، فهذا ما يستدعي التعمّق قليلًا بهذه الأحداث وتبعاتها لتتضح الخلفيّة التاريخيّة للحرب على الإرهاب، حيثُ لهذه الفترة عوامل محددة ساهمت في تبنيها.
لم يظهر الحديث عن الإرهاب بشكلٍ مفاجئ خلال أحداث 11 سبتمبر 2001، وإنّما سبق تناول هذا المصطلح والتداول به قبل هذه المرحلة، وقد اعتُبِر ظاهرة دوليّة سعت الأمم المتحدة إلى مكافتحها ووضعت اتفاقيات دوليّة لتحقيق هذه الغاية. ومن بين هذه الاتفاقيات "اتفاقيّة جنيف لمنع الارهاب للعام 1937" و "الاتفاقية الاوروبية لقمع الإرهاب في العام 1977"، إلى جانب المواثيق الخاصة بمنع أعمال الإرهاب الموجهة ضد الافراد والأشخاص المتمتعين بحماية دولية ومعاقبة مرتكبي هذه الاعمال التي أعدت في السبعينات. إلّا أن الحرب على الإرهاب بمفهومها الحالي ارتبطت بأحداث 11 سبتمبر وما شهدته الولايات المتحدة الأمريكيّة، إذ كانت بمثابة نقطة تحوّل محوريّة، وذلك من خلال الهجمات التي أدّت إلى تدمير البرجين في نيويورك وأحد مباني وزارة الدفاع الأمريكيّة. فهذا ما دفع الولايات المتحدة إلى إعلان الحرب على الإرهاب، فشنت حربًا على نظام طالبان في أفغانستان، معتبرةً أنّه يحتوي على تنظيم القاعدة الذي حملته مسؤوليّة ذلك، كما قامت بحربًا ضد نظام صدام حسين في العراق متذرعةً بامتلاكه أسلحة الدمار الشامل. وبذلك برز التدخل العسكري المباشر من قبل الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها. وبالتالي عمدت السياسة الأمريكيّة إلى تغيير استراتيجياتها القائمة على الردع واتباع بدلًا منها العقيدة القائمة على الحرب الاستباقيّة، أي شن حروب وضربات وقائيّة لمنع هجمات متوقعة. فأشار بوش الإبن في هذا الصدد "'إنّ الردع لا يفعل شيئاً ضد خلايا إرهابيّة غير مرئيّة تعمل كالأشباح، ليس لها وطن محدد، ولا مواطنون مسؤولة عن حمايتهم'". فاعتبر حينها أنّ الولايات المتحدة ستعمد إلى إطلاق ضربات وقائيّة ضد الأعداء المحتملين عبر تحالفها مع مختلف الأطراف.
يُعد التحالف الدولي للحرب على الإرهاب من أهم التكتلات التي تشكّلت في القرن الحادي والعشرين. إذ "استغلت الولايات المتحدة قرار مجلس الأمن رقم 1368 الصادر اليوم التالي لهجمات 11 أيلول، والذي أشار إلى حق الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس ضد التهديدات الإرهابية. فقامت بحشد تحالف دولي من أجل الدفاع عن نفسها باعتبارها الهجمات التي تعرضت لها أعمال عدوان". إلّا أنّ فيما بعد ظهرت نقاشات متباينة حول مدى شرعيّة وصف ذلك بالعدوان، وهذا ما سنعود إلى التطرّق إليه لاحقًا. حيثُ يُعتبر التحالف بمثابة تجمع عسكري وسياسي قادته الولايات المتحدة الأمريكيّة لمواجهة التنظيمات الارهابيّة العابرة للحدود، وقد تشكّل بالتحديد لمواجهة القاعدة في العام 2001، ومن ثم تشكّل تحالف دولي آخر لمواجهة "داعش" في العام 2014. وبذلك يُمكن القول أنّ البنية الأساسيّة للتحالف قد ارتكزت على الولايات المتحدة بوصفها القائد الأساسي، إلى جانب عدد من الدول الغربيّة في مقدمتها بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا، فضلًا عن دعم وتنسيق دول أخرى حسب العمليات التي تقوم بها. كما شاركت بعض الدول في الشرق الأوسط بدرجات متفاوتة يما فيها الأردن والإمارات والسعوديّة وتركيا. كما شاركت المنظّمات الدوليّة في هذا التحالف، وبالأخص الأمم المتحدة التي أصدرت عددًا من القرارات في هذا الإطار، وكذلك فعّل حلف الشمال الأطلسي (الناتو) آلية الدفاع المشترك وأسهم في مساعدة الولايات المتحدة في عملياتها.
في هذا السياق عمدت الأطراف الفاعلة في التحالف الدولي إلى التنسيق عبر مختلف الأدوات. وذلك عبر العمليات العسكريّة كالضربات الجويّة والعمليات الخاصّة التي تستهدف قادة التنظيمات تبعًا لما تُصنفهم الولايات المتحدة بالارهابيّة. إلى جانب ذلك هناك أداة أخرى تمثّلت بالأدوات الاستخباراتيّة كتبادل المعلومات ومراقبة الاتصال. كما برزت الأدوات الاقتصاديّة كفرض العقوبات وتجميد الأصول الماليّة والمراقبة المشددة على التحويلات الماليّة. بالإضافة إلى الأدوات الإعلاميّة عبر الخطابات الإعلاميّة والسرديات المحددة التي تتبناها هذه الأطراف حول مواقف معينة تجاه الجماعات. حيثُ يتضح استخدام أدوات القوّة الصلبة والنّاعمة في هذا السياق، وهذا ما سنتعمّق به.
كما أشرنا آنفًا، اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكيّة وحلفاؤها في حربها على الإرهاب على مجموعة من الأدوات، فالبعض منها يندرج ضمن القوّة الصلبة، فتتجلّى البعض من أدوات القوّة الصلبة فيما يلي:
- قيادة العمليات العسكريّة المباشرة: وهي التي برزت في الضربات الجويّة والعمليات البريّة، إلى جانب فرض مناطق أمنيّة أو حصار مناطق نفوذ الجماعات. فضلًا عن استهداف البنية التحتيّة والعسكريّة للجماعات المسلحة، وقد برز ذلك بشكلٍ جلي من خلال الحروب الاستباقيّة التي قادتها. حيث عمدت إلى اعتماد مبدأ "الحرب الوقائية في التعامل مع الأخطار بدلًا من سياسة الردع النووي، والدفاع الذاتي (العراق نموذجاً)، وتدويل الحرب على الارهاب وجعلها في صلب الدبلوماسية الاميركية (أفغانستان نموذجاً)، إلى جانب اعادة النظر في الخارطة الجيوسياسية للمنطقة".
- استخدام القدرات الأمنيّة والاستخباراتيّة: وذلك عبر مراقبة الاتصالات وتحليل البيانات الضخمة بما يُتيح لها تعقّب أنماط التجنيد والتمويل وغيرها… إلى جانب عملها على تجنيد المخبرين داخل الدول المستهدفة لمساعدتها في عمليّة جمع المعلومات.
- فرض القيود على التمويل: وقد برز ذلك من خلال فرض القيود على التحويلات الماليّة وتجميد الأصول للأشخاص الذين تشتبه بارتباطهم بجماعات تُصنفهم إرهابيّة. إلى جانب مراقبة الجمعيات أو الشركات أو أي جهة تشك في تمويلها لهذه الجماعات، وقد تصل إلى درجة فرض العقوبات عليها أو المطالبة بإغلاقها. وكذلك العمل على فرض العقوبات على الدول والجماعات والأشخاص التي تضعها الولايات المتحدة ضمن خانة الإرهاب.
- تبرير استخدام القوّة تجاه العدو: عمدت الولايات المتحدة إلى توسيع تصنيف الإرهابيين وتبرير استخدامها تجاههم مختلف الأدوات، "وتغير الهدف من مجرد معاقبة الإرهابيين، إلى العمل على تدمير تنظيم 'القاعدة'، ومهاجمة الدول التي توفر له ملاذا آمنا. وشمل تعريف 'العدو' الدول التي صُنفت على أنها 'محور الشر'، وهي إيران والعراق وكوريا الشمالية. وهو الأمر الذي مهد إلى غزو العراق خارج نطاق الأمم المتحدة".
- التشدد بإجراءات تنقل الأشخاص والبضائع: وذلك عبر التشدد في إجراءات التنقل أي الدخول والخروج للأشخاص، إلى جانب مراقبة حركة تنقل البضائع والشحنات لأنّها تعتبر أنّ بذلك تُحد من انتقال الأسلحة والأموال إلى التنظيمات.
- فرض العقوبات القانونيّة: وهذا من خلال سن القوانين التي تمنع انضمام الأفراد إلى التنظيمات التي تُصنفها إرهابيّة للحد من تجنيد عناصر جدد. فيشمل ذلك ملاحقة الأفراد وتجريم تقديم أي دعم لهذه التنظيمات. إلى جانب العمل المشترك على تسليم المشتبهين بهم بين الدول، وذلك للتضييق على الأنشطة العابرة للحدود.
اعتمدت الولايات المتحدة أدوات التأثير غير المباشر أيضًا، وذلك لمساعدتها في تحقيق أهدافها، فأبرزها يتمثّل فيما يلي:
- نشر السرديات والخطابات: عمدت الولايات المتحدة إلى بناء سرديات متنوّعة ومن أبرزها سرديّة الحرب على الإرهاب كحرب عالميّة لحفظ الأمن. حيثُ كما ذكرنا آنفًا أنّ بوش الابن حدّد بشكل واضح أنّ من ليس معهم فهو مع الإرهاب، وبالتالي حاول توظيف سرديّة أنّ الإرهاب تهديد كوني لتبرير التحالفات الدوليّة. كما حاولت الولايات المتحدة استخدام الخطاب لتصوير أنّ عملياتها العسكريّة والأمنيّة هي حماية للمجتمعات المحليّة من التطرّف. حيثُ أشار بوش: "وقع الهجوم على الأراضي الأمريكية، لكنه كان هجومًا على قلب وروح العالم المتحضر. وقد اجتمع العالم لخوض حرب جديدة ومختلفة، وهي الأولى، ونأمل أن تكون الوحيدة، في القرن الحادي والعشرين. حرب ضد كل من يسعى لتصدير الإرهاب، وحرب ضد الحكومات التي تدعمهم أو تؤويهم". فقد أراد بأقواله التأكيد على حشد الدول للحرب على الإرهاب وفقًا للسرديّة الأمريكيّة.
- استخدام الدبلوماسيّة العامة: قامت بذلك الولايات المتحدة عبر تعزيز الثقافة الأمريكيّة لتعزيز نفوذها عبر مختلف الطرق كاللقاءات وتنفيذ برامج التبادل الثقافي والمبادرات الشبابيّة، بالإضافة إلى دعم منظّمات المجتمع المدني. حيث تعاونت مع المنظّمات في مختلف المجالات ومنها التغيير السياسي.
- إعداد الحملات الإعلاميّة والتأثير المعلوماتي: وذلك من خلال إنتاج الأفلام الوثائقيّة والتقارير التي تُسلط على الإرهاب ومخاطره، إلى جانب توظيف الإعلام الأمريكي عبر برامج دوليّة. كما حاولت عبر الإعلام تعميم اللغة والمصطلحات المحددة بغية إيصال رسائل محددة للجمهور. فعلي سبيل المثال "كان من نتاج الهجمات ظهور جيل جديد من الأفلام والبرامج حول قضايا الأمن، أنتجت خصيصًا لزرع الخوف في النفوس، إذ كانت وكالة الاستخبارات والبنتاغون تزودان صناع الأفلام بالعتاد الحربي، ويسمحون بتحويل مقر 'سي آي إيه' (CIA) الرئيسي في فرجينيا إلى موقع للتصوير مقابل أفلام تتماشى مع السياسة الحكومية".
- الترويج للثقافة والقيم الليبراليّة: وهذا من خلال الترويج لهذه القيم على أنّها النموذج الأسمى الذي يجب على باقي الدول أن تقتدي به. فاستخدمت مختلف الوسائل لإثبات تفوّق النموذج الليبرالي باعتباره معالج لمختلف التحديات، فقدمته على أنّه من المعايير العالميّة التي ينبغي على الدول الأخرى تبنيها أو السير معها.
- التأثير في المراكز والأبحاث العلميّة: حيثُ تعمل هذه المراكز والأبحاث على الترويج لمصطلحات وأفكار معيّنة مثل "التطرّف العنيف"، إلى جانب التأثير على السياسات من خلال التوصيات التي تُقدم.
موقف القانون الدولي من الأدوات المستخدمة في الحرب على الإرهاب
لقد حدّدت الأمم المتحدة عبر القرارات الدوليّة مفهوم العدوان المسلّح سواء المباشر أو غير المباشر، وقد أعطىت للدولة الحق في الدفاع عن نفسها عند تعرضها لاعتداء مسلح. فيُعرّف العدوان تبعًا للقرار 3314 الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1994 بأنه "استعمال القوة المسلحة من قِبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أوسلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو أي وجه آخر لا يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة". وبذلك حددت العدوان في قيام الدولة بهذا الأمر ضد دولة أخرى، وقد أشارت أيضًا إلى "إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من قِبَل دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى من أعمال القوة المسلحة تكون من الخطورة بحيث تعادل الأعمال المعددة أعلاه، أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك". وهذا ما يُمكن اعتباره عدوان غير مباشر، كون الدول أرسلت أطراف غير نظاميّة.
لذا بعد تحديد العدوان، سننتقل إلى تبيان إن كانت الهجمات الإرهابيّة تكتسب صفة العدوان. فمن خلال تناول الجهات القادرة على ارتكاب العدوان يتضح أنّ إرهاب الدولة يُمكن أن يُعد من أنواع العدوان الذي تقوم به الدولة، مما يُعطي الدول المستهدفة الحق الشرعي في الدفاع عن النفس. وهذا ما ينسجم مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة: "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء 'الأمم المتحدة' وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس - بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق - من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه".
أمّا فيما يتعلّق بالدفاع الاستباقي في سياق الحرب على الإرهاب، والذي يعني أن تستبق دولة ما وقوع العدوان وتقوم هي بالهجوم مسبقًا. فبرزت العديد من الآراء سواء المؤيدة أو المعارضة لذلك، إذ يرى المؤيدون أنّ للدول التي قد تتعرّض للعدوان الحق في الدفاع الاستباقي وأن لا تنتظر وقوع العدوان عليها بغية حماية نفسها. بينما الآراء المعارضة أشارت إلى عدم مشروعيّة الحرب الاستباقيّة في نظر القانون الدولي المعاصر، فاعتبرت أنّ ذلك يعود إلى مجموعة من الأسباب. من بينها أنّ "ميثاق الأم المتحدة يُبيح فقط استخدام القوّة في حالة الدفاع الشرعي والأمن الجماعي، وأنّ الحرب الاستباقيّة لا تُلزم اخبار مجلس الأمن، إلى جانب أن الجهود ترتكز على تقليص استخدام القوّة في العلاقات الدوليّة وليس العكس، فضلًا عنها أنّها تُعرض المجتمع الدولي للخطر كون أنّ أي دولة قد تتذرع بأن أمنها القومي يتعرض للخطر".
برزت العديد من الآراء المعارضة للحرب على الإرهاب انطلاقًا من جوانب عديدة. ينطلق البعض من نقدهم للحرب على الإرهاب من أنّ غياب تعريف محدد للإرهاب يُفشل هذه الحرب، فبالنسبة لجوليا غليدهيل- Julia Gledhil: "إنّ تسمية الحرب على الإرهاب بحد ذاتها تُظهر استحالة نجاح هذه الحرب على الإطلاق لأنها لا تحدد عدوًا محددًا. كما أن مفهوم 'الإرهاب' نفسه يفتقر إلى اليقين. لا يوجد تعريف ثابت للإرهاب في القانون الدولي". كما اعتبر البعض أنّ الحرب على الإرهاب لا تميّز بين الإرهاب والمقاومة وبين المعتدي والمقاوم. فيقول كل من كاستوري سين- Kasturi Sen وتيم موريس- Tim Morris في هذا الصدد: "لا يجري التمييز بشكل كبير حالياً بين الإرهابيين ومن يقاومون الاحتلال أو يتصدون دفاعاً عن حقهم في الأرض والعمل وتأمين بيئة مستدامة".
إلى جانب ذلك اعتبر البعض الآخر أنّ الحرب على الإرهاب لم تستطع إلغاء الفكر المتطرّف وإنّما أدّت إلى زيادته في بعض المجتمعات. حيث يُشير محمد الخلوقي في هذا الإطار: "'الحرب على الإرهاب' منذ بدايتها بشكل صريح بعد 11 أيلول/ سبتمبر لم تحد من انتشار الفكر المتطرف وكذلك من تزايد عدد الجماعات المسلحة المتطرفة وخصوصًا في المناطق التي ادعت فيها الولايات المتحدة أنها تحارب 'الإرهاب'".
بالإضافة إلى ذلك رأى بعض الباحثين أنّ الحرب على الإرهاب لا تُراعي القوانين الدوليّة وتنتهك سيادة الدول، إذ ذكرت إيناس عبد الله أبو حميرة أنّ "استغلت الولايات المتحدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والحرب ضد أفغانستان لتعلن أنها لن ولم تلتزم بمبدأ السيادة لتنهى بذلك مبدأ من المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها القانون الدولي بل يعد من القواعد الآمرة في القانون الدولي التي لا يجوز انتهاكها فقط بل لا يجوز الاتفاق على مخالفتها ويقع باطلاً بطلانا مطلقا هذا الاتفاق والانتهاك، وقد قامت الولايات المتحدة بانتهاك سيادة دولة أفغانستان ودول أخرى تحت مسميات حقوق الإنسان وحق التدخل لنصرة الديمقراطية".
خلاصة القول، مثّلت أحداث 11 أيلول نقطة تحوّل مفصليّة سمحت للولايات المتحدة بإطلاق الحرب على الإرهاب وتوسيع نطاق تدخلاتها في مناطق مختلفة تحت ذرائع أمنيّة متعددة. وقد أدّى اتساع هذه الحرب وتبدّل أهدافها إلى إدراج عدد كبير من التنظيمات والجهات ضمن إطار الإرهاب. كما تغيرت مسميات هذه الحرب مثل مكافحة الإرهاب أو مكافحة التطرّف العنيف. إذ استُخدِم هذا الإطار الواسع لإدراج أي جهة تتعارض مع المصالح الأمريكيّة ضمن خانة الإرهاب، بما يُعطي شرعنة التدخلات المباشرة وغير المباشرة. وقد أدّت هذه المقاربة إلى خسائر بشريّة واقتصاديّة وإلى التغيير في البنى السياسيّة في العديد من الدول، فبرزت الجهات غير الحكوميّة وتحوّلت إلى لاعب مؤثر في السياسة الداخليّة والخارجيّة. لذا ما هي هذه الجهات غير الحكوميّة؟
Julia Gledhil, The Failures of the War on Terror, Friends Committee on National Legislation, 2022.
George W Bush Presidential Library, National Archives, Global War on Terror.
إيناس عبد الله أبو حميرة، الحرب على الإرهاب في ضوء القانون الدولي، مجلة البحوث القانونيّة، المجلد 2، العدد الثاني، 2014.
غراهام ايفانز وجيفري نيونهام، قاموس بنغوين للعلاقات الدولية، مركز الخليج للأبحاث، الطبعة الأولى، الإمارات العربية المتحدة، 2004.
واثق السعدون، الإستراتيجيّة العسكريّة الأمريكيّة في عهد الرئيس جورج والكر (دبليو) بوش 2001-2009، دراسات الشرق الأوسط، المجلد 21، العدد 1، 2020.
محمد الخلوقي، الحرب على الإرهاب من القاعدة إلى داعش، شؤون الأوسط، المجلد 25، العدد 151، 2015.
رواد غالب سليقة، إدارة الأزمات الدوليّة في ظل نظام الأمن الجماعي، منشورات الحلبي الحقوقيّة، الطبعة الأولى، بيروت، 2014.
أطباء بلا حدود، القاموس العملي للقانون الإنساني- العدوان.
المادة 51، ميثاق الأمم المتحدة الصادر في العام 1945.
مناع العلجة، الحرب على الإرهاب في القانون الدولي، مجلة صوت القانون، المجلد 9، العدد 1، 2022، بتصرّف.
كاستوري سين، وتيم موريس، المجتمع المدني والحرب على الإرهاب، مركز دراسات الوحدة العربيّة، لبنان، 2010.
ابقى على اﻃﻼع واشترك بقوائمنا البريدية ليصلك آخر مقالات ومنح وأخبار الموسوعة اﻟﺴﻴﺎﺳﻴّﺔ
ﺑﺘﺴﺠﻴﻠﻚ في ﻫﺬﻩ اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ البريدية، فإنَّك ﺗﻮاﻓﻖ ﻋﻠﻰ اﺳﺘﻼم اﻷﺧﺒﺎر واﻟﻌﺮوض والمعلوﻣﺎت ﻣﻦ الموسوعة اﻟﺴﻴﺎﺳﻴّﺔ - Political Encyclopedia.
اﻧﻘﺮ ﻫﻨﺎ ﻟﻌﺮض إﺷﻌﺎر الخصوصية الخاص ﺑﻨﺎ. ﻳﺘﻢ ﺗﻮفير رواﺑﻂ ﺳﻬﻠﺔ لإﻟﻐﺎء الاشترك في ﻛﻞ ﺑﺮﻳﺪ إلكتروني.